سماء بلا أنجم

في السادس من مايو ٢٠١٥، تحديدًا في العاشرة صباحًا، تلقيت اتصالًا هاتفيًا من الأستاذ نايف البكري، وسألني فيه عمّا إذا كنت قد علمت باستشهاد العميد علي ناصر هادي، وهو قائد المنطقة العسكرية الرابعة، والذي استُشهد مدافعًا عن التواهي يومها.  

قال نايف في اتصاله: "نحن في طريقنا إلى مستشفى البريقة لرؤية الجثمان، انتظرنا أمام فتحة مدينة إنماء".

خلال دقائق كنت هناك، وخلال دقائق وصل نايف البكري، وكان معه يومها العزيز علي الأحمدي على متن سيارة توسان صغيرة.  

ترجّل نايف من سيارته وصعد إلى جانبي، وقدتُ سيارتي يومها إلى بوابة مستشفى البريقة، كانت الساعة الـ١١ ونصف ظهرًا تقريبًا، وهناك كان العشرات من الناس في محيط المستشفى، الذي دخلناه وتبادلنا أطراف الحديث مع بعض المقاتلين من أبناء عدن يومها، حول ظروف سقوط مدينة التواهي.

سألنا عن جثمان العميد علي ناصر هادي، فأبلغونا أنه وُضع داخل إحدى الثلاجات الخاصة بالمستشفى.  

في الطريق إلى هناك، كنتُ حريصًا على التقاط صورة للجثمان، مشهد كهذا يجب ألّا يمر، صورة للتاريخ، لكي لا يُزَوَّر، لكي لا يُحَوَّر ولا يُحوّل ولا يُستَبدل. الصورة وحدها قد تكون في زمنٍ ما دليلًا دامغًا في مواجهة التزييف.

وما إن هممت بالتقاط صورة، حتى جاء صوت غاضب من الخلف يحاول منعي. كان الصوت هو للعزيز رشاد شايع، وكيل محافظة عدن.  

حاول رشاد منعي من التقاط صورة بحجة أن الجسد مليء بالدماء. أدركت لحظتها أنني في مواجهة لحظة تاريخية فارقة. تنحيت برشاد جانبًا وقلت له: "أقسم لك أنه إذا لم نُوَثّق هذه اللحظة، سيأتي زمن قد يُنكر فيه البعض حتى واقعة استشهاده. أرجوك، لا ترتكب هذا الخطأ الفادح، الصورة مهمة جدًا".  

وبعد إلحاح شديد، قبل رشاد شايع بذلك، وكانت هذه الصورة هي الوحيدة التي وثّقت استشهاد الرجل، والصورة الوحيدة التي نُشرت له عقب استشهاده.

هذا المساء جال بخاطري هذا الرجل العظيم، وأحد الأصدقاء يحكي لي معاناة أسرته وأبنائه وحالهم.  

في الذكرى العاشرة لتحرير "عدن"، أتذكر هذا البطل، وفي القلب حسرة، وفي اللسان غصّة، الحسرة على تضحية الرجل، والغصّة على حال أسرته وأبنائه.  

لا أعلم، لو أن الرجل اطّلع غيبًا على ما سيصيب أسرته من بعد رحيله، هل كان سيحمل سلاحه يومها؟  

في هذه الأوطان، يصنع الأبطال التضحيات، ويأتي الأوغاد ليُحدّثوا الناس وبكل قُبح وجرأة عن النصر والبطولات الزائفة التي لم يكونوا لساحتها حاضرين.

حكاية الشهيد علي ناصر هادي وتضحيته العظيمة ليست حكاية بطل قوبل بالنكران، هي قصة الآلاف من أبناء عدن الذين تمت "مجازاتهم" بالسجون والاعتقال والنفي والإقصاء.  

هي قصة تتكرر دائمًا على مرّ التاريخ، قصة تحكي عن الثورة التي يصنعها الأبطال، ويجني ثمارها الأوغاد...

عن علي ناصر هادي، والآلاف من الأبطال العظام في عدن، لا يكفي كتاب، ولا يشفي غليل الحكاية ألف رواية ورواية...  

عن الناس التي ضحّت ولم تسأل الوطن ثمنًا ولا قيمة.  

عن الأبطال الذين كتبوا فصول التضحية بدمائهم الحارّة على الأرصفة والجدران، يجب أن يُحكى للناس أبد الدهر. ولكي لا تخبو ذاكرة الناس، يجب أن يُطرق ناقوسها في كل حين.  

من هنا مرّت التضحيات وارتحلت، ولكنها ستظل حاضرة ولها شمس ستشرق غداً.

لكنني أخشى غدًا، في الـ٢٧ من رمضان، أن يخرج الكثير من الأوغاد متحدثين عن لون غبار معركة لم يشهدوها، وساحات لا يعرفوها، ووطن باعوه في سوق النخاسة بما قلّ من الثمن وذلّ من الكلام...

للشهيد علي ناصر، ولكل أبطال عدن ورجالها، الحاضرون اليوم في وجدان هذه المدينة، الغائبون عن سماء إنصافها: كل المجد والتحية.

فتحي بن لزرق  

٢٦ رمضان ٢٠٢٥

مقالات الكاتب