مستقبل المؤتمر الشعبي العام..

تحولات المؤتمر في 40 سنة (4)

إن استشراف مستقبل أي مكوّن سياسي يستدعي بالضرورة النظر في الواقع الراهن لهذا المكون، وعدم إغفال الظروف المحيطة به والعوامل المؤثرة في مسيرته سلباً أو إيجاباً، ومن هنا فإن المؤتمر الشعبي العام في الوقت الراهن موجود وبشكل رسمي في معسكري الحرب التي تعيشها اليمن منذ أكثر من سبع سنوات، فالمؤتمر يعد أحد المكونات السياسية الداعمة للشرعية، والمؤتمر – نفسه ولكن بقيادات وممثلين آخرين- موجود ضمن معسكر الحوثي. 

ويبدو مستقبل الحزب مرتبطاً بمصير الحرب الراهنة وأطرافها الفاعلة، حيث أن استمرار الانقسام المؤتمري بين أطراف الحرب سوف يؤدي إلى إضعافه وإنهاكه، وربما المزيد من الانقسامات والانشقاقات في صفوفه، فضلاً عن ذلك قد يواجه المؤتمر تحديات وصعوبات جديدة تهدد بنيته التنظيمية، سيما إذا استمر تهميش المؤتمر في صنعاء من قبل الحوثيين وفي الخارج من قبل أطراف إقليمية عدة تسعى لتوظيفه في خدمة أجندتها داخل اليمن. مع الأخذ بعين الاعتبار أن المؤتمر نفسه قبل الانقسام كان قد تعرض لعدد من الصدمات، وفقاً للقيادي المؤتمري الدكتور/عادل الشجاع الذي يرى أن المؤتمر "تعرّض لصدمات كثيرة، من بينها صدمة 2011، وما تلاها من استقالات جماعية من المؤتمر، ثم الصدمة الكبرى التي كانت في انتفاضة الحزب ضد الحوثيين أواخر العام 2017، وكل هذه الصدمات أثّرت على المؤتمر".

ولا يمكن النظر إلى واقع المؤتمر – كحزب وتنظيم سياسي – دون النظر بعين الاعتبار لما تعرضت له المنظومة السياسية اليمنية برمتها من استهداف خلال السنوات الأخيرة، حيث تقلص الحضور السياسي والجماهيري للأحزاب اليمنية وانحسر تأثيرها وتراجع دورها في السنوات الأخيرة بسبب ظروف الصراع المسلح، فيما برزت التكتلات والتشكيلات المسلحة ذات الدور الوظيفي المرتبط بأهداف الداعمين والممولين، وجرى تجريف واسع للحياة السياسية والمدنية بدأته جماعة الحوثي فور سيطرتها على العاصمة صنعاء، ولا زالت تمارسه في مناطق سيطرتها.

ولا يزال كل فريق في المؤتمر يعتقد أنه وحده صاحب الشرعية التنظيمية، كما يقول البيان الأخير الصادر عن مؤتمر صنعاء- بمناسبة مرور الذكرى الـ40 لتأسيس المؤتمر، حين جدد التأكيد "أن قيادته التنظيمية والسياسية الشرعية هي المتواجدة في صنعاء، وهي المخولة بتحديد مواقف المؤتمر من مختلف القضايا"، ومثل هذه البيانات والمواقف تعزز الانقسامات داخل المؤتمر، غير أن صدورها عن الجناح الموجود في صنعاء يشير إلى أنها تصدر تحت الضغط والإكراه من قبل الحوثيين الذين يستخدمون المؤتمريين الموالين لهم لمواجهة المؤتمريين الداعمين للشرعية. 

ومن هنا فإن مستقبل المؤتمر الشعبي العام مرتبط بالواقع الراهن للعملية السياسية التي فقدت قيمتها لصالح مجموعات وكتل جديدة مسلحة في الغالب، أفرزتها الحرب، ولا صلة لها بالعملية السياسية، التي تراكمت خلال العقود الماضية، وشهدت سجالاً فكرياً وجدلاً سياسياً وإعلامياً، استمر في التصاعد والتطور بصورة مباشرة منذ إعلان التعددية الحزبية قبل أكثر من 30 سنة.

ويبدو مستقبل حزب المؤتمر رهناً بتحرره من القيود التي تكبله، ففيما يعجز المؤتمريون في مناطق سيطرة الحوثيين عن اجتراح أي فعل خارج إطار الخطاب والسياسة التي يحددها الحوثيون، يواجه المؤتمريون الآخرون مصاعب ومعوقات كثيرة أبرزها تعدد قيادات الحزب وتباين فصائله المختلفة، وأهداف قياداته التي يرتبط كل منها بطرف أو أكثر من الأطراف الداخلية والخارجية.

ومع استمرار الحرب يصعب الحديث عن إمكانية استعادة وحدة التنظيم الذي جعلته الظروف موزعاً بين صنعاء وعدن وعواصم إقليمية، والمتوقع بقاء كل فصيل على حاله، مع استمرار التنازع بينها على الشرعية التنظيمية، فكل جناح يدعي أنه الكيان الشرعي والوحيد، وفق ما تعلنه بيانات المؤتمر في أكثر من مناسبة، وهو ما يؤكده بعض المؤتمريين الذين يرون أن الحرب قسمت قيادات حزبهم إلى قسمين: "قسم تحالف مع الحوثيين تحت ذريعة مواجهة (العدوان)، وقسم آخر اصطف مع التحالف تحت ذريعة مواجهة (الانقلاب)، ومن داخل هذين القسمين خرجت أقسامٌ أخرى بدعمٍ إماراتي، واصطفّت مع الدعوات الانفصالية والمناطقية، وبعض القيادات احتفظت بجزءٍ من القرار، وساومت به السعودية مقابل مصالح مالية ومراكز إدارية". وبالتالي فهناك من يُرجّح أن يظل الانقسام في المؤتمر قائماً ومتعدداً، "لأن العملية الحزبية انتهت في اليمن على يد الحوثيين، وعلى يد التحالف الذي سيستمر في استقطاب بعض الشخصيات باسم المؤتمر، ليبعث برسالة مفادها أن المؤتمر سيعود إلى السلطة، فتزداد كراهية المؤتمر لدى الآخرين، ويؤدي ذلك إلى ضرب ما تبقى من تماسك قواعد هذا الحزب". 

وتتوافق رؤى كثيرة داخل المؤتمر الشعبي العام وخارجه على أن "مستقبل المؤتمر- مثل بقية الأحزاب، ومثل اليمن كله غامض، لأن القرار في اليمن وفي الأحزاب وعلى كل صعيد ليس قراراً يمنياً وطنياً داخلياً"، وأن "المؤتمر وبقية الأحزاب السياسية، جميعها خرجت من العملية السياسية، وتحولت إلى مليشيا".

فيما يتعلق بالأجنحة المناوئة للانقلاب الحوثي فهي لم تجتمع على موقف واحد بسبب التباين الملحوظ فيما بينها تجاه الشرعية ومكوناتها وحلفائها، حيث لا يزال بعض المؤتمريين يعتبر الشرعية خصماً كالحوثي تماماً، ومنهم من يرى إمكانية التنسيق والاتفاق مع الشرعية أو بعض مكوناتها من أجل مواجهة الحوثيين. 

خاتمة

يحتاج المؤتمريون اليوم إلى إرادة جَمْعية تُغلّب مصلحة البلد ووحدة التنظيم، وتعمل على توحيد كل جهودها في تدعيم المؤتمر وتعزيز مكانته وتبذل كل طاقاتها من أجل استعادة الدور القيادي لحزبها، بالتحالف والتنسيق مع القوى التي تلتقي معها على الأهداف ذاتها، وعلى قاعدة المشاركة الفاعلة في معركة استعادة الدولة وإنهاء الانقلاب.

 ولا يزال حزب المؤتمر يمتلك الكثير من الإمكانيات المادية والمعنوية والقيادات المؤهلة – سواء في العمل الحكومي أو الحزبي، لكنه في وضعه الحالي يفتقد الرأس أو القيادة القادرة على احتواء التباينات الموجودة وبناء قاعدة تنظيمية متماسكة، وفي حال جَمَع المؤتمريون شتاتهم وتمكنوا من توحيد صفوفهم والتقى التنظيم تحت قيادة واحدة، حينها يمكنه استعادة دوره وحضوره.

ومن ناحية الشرعية التنظيمية لا يستطيع أي جناح أن يلغي بقية الأجنحة، فالملاحظ أن قيادات هذه الأجنحة – أو غالبيتها على الأقل- تبوأت مناصبها ووصلت لمستويات قيادية عليا وفقاً للوائح الحزبية المنظمة، قبل أن تظهر الانقسامات التي جعلت كل جناح يتجاوز اللوائح تحت مبرر ظروف الحرب ووطأتها، الأمر الذي يجعل الحل منوطاً بالعودة إلى قواعد المؤتمر ولوائحه، ومن ثم الخروج برؤية وقيادة جديدتين لمواكبة التحديات الراهنة والمستقبلية. 

جزء من دراسة للباحث نشرها مركز أبعاد للدراسات في العام الماضي- مع حلول الذكرى الأربعين لتأسيس المؤتمر الشعبي العام..

الهوامش:

1- الدكتور: عبد الملك منصور، حديث خاص مع الباحث، في 2 سبتمبر 2022.

2- الدكتور: عبد الوهاب الروحاني، وزير الثقافة الأسبق، قيادي في المؤتمر الشعبي العام، حديث خاص مع الباحث في 29 أغسطس 2022.

3- الدكتور: عادل الشجاع، ناقد أكاديمي وقيادي في المؤتمر الشعبي العام، في حديث خاص مع الباحث، في 3 سبتمبر 2022.

4- بيان صادر عن الاجتماع الاستثنائي للجنة الدائمة الرئيسية للمؤتمر الشعبي العام، 8 نوفمبر 2014.

5- بيان صادر عن المؤتمر الشعبي وحلفائه إزاء المواجهات في محافظة عمران في 9 يوليو 2014، نشرته وسائل إعلام المؤتمر، ومنها المؤتمر نت.

6- بيان صادر عن الأمانة العامة للمؤتمر الشعبي العام في 20 أكتوبر 2015، نشره حزب المؤتمر على موقعه الرسمي.

7- قيادات في المؤتمر الشعبي العام تعزل صالح من رئاسته وتعين هادي، نشره Arabic.news.cn في 21 أكتوبر 2015.

8- نص اتفاق وقعه المؤتمر والحوثيون، ونشرته وسائل الإعلام في 26 يوليو 2016.

رابط الدراسة في موقع أبعاد

https://abaadstudies.org/pdf-103.pdf

مقالات الكاتب