نار تحت الرماد في إيران

 السبت الماضي، وأثناء عرض عسكري في قلب مدينة الأحواز العربية في إيران، تم هجوم كبير في دلالاته ومغزاه، بالغ في نوعيته وعدد ضحاياه، ولافت في مكانه وزمانه.
 
مكان الهجوم هو العرض العسكري الذي جرى إلى جوار أكبر معسكرات القوات البرية الإيرانية، وهو معكسر اللواء 92 مدرع التابع للحرس الثوري الإيراني، وزمانه يأتي على إثر تهديدات متبادلة بين واشنطن وطهران، وحملة أمريكية شرسة لاستهداف قطاعات حيوية في الاقتصاد الإيراني، أهمها قطاع الطاقة، على خلفية انسحاب إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من الاتفاق النووي الإيراني، الذي رأى ترامب أنه «الصفقة الأسوأ»، التي تحتم التفاوض على اتفاق جديد.
 
كما يأتي الهجوم في ظل ظروف وتعقيدات في الساحتين: الشعبية والسياسية في إيران داخل إيران نفسها، وقطيعة شبه تامة بين إيران وعدد من جيرانها العرب.
 
المسؤولون الإيرانيون، وجرياً على عادتهم في «تفجير اللغة»، أطلقوا- بعد الهجوم -أنواعاً من الوعيد في كل الاتجاهات، ووزعوا التهم على فاعلين دوليين وإقليميين، ودول وصفوها بـ «مرتزقة أمريكا»، جرياً على منوال قاموس ستينيات وسبعينيات القرن الماضي في التخوين. ذهب بعض المحللين إلى أن الحرس الثوري الإيراني هو من دبر استهداف العرض العسكري في قلب الأحواز، واتهمت بعض فصائل المعارضة الأحوازية مخابرات النظام بتدبير العملية.
 
وفي الواقع، يمكن فهم اتهامات الأحوازيين للنظام بتدبير الهجوم، خشية منهم من أن يوظف النظام الإيراني الهجوم للتضييق على أنشطتهم السياسية في الدول الغربية التي ينشطون فيها، ومحاولة للنأي بالنفس عن ما وصف بـ «عمل إرهابي» مدان.
 
والغريب أنه رغم تبني تنظيم «الدولة» للهجوم في إيران، إلا أن مسؤولين إيرانيين نفوا ضلوع التنظيم في الهجوم، مؤكدين أنهم «يعرفون جيداً من دبر هذا الهجوم»، حسب تصريحات الرئيس حسن روحاني، ثم عادوا إلى تأكيد فرضية هجوم التنظيم على لسان مسؤولين آخرين.
 
والواقع أن تبني تنظيم «الدولة» يمكن التشكيك فيه، لأن طبيعة الهجوم، ليست طبيعة عمليات التنظيم، ثم إن التنظيم دأب خلال الفترة الأخيرة على تبني عمليات لم يقم بها أصلاً، حسب تأكيدات أجهزة أمن واستخبارات في عدد من الدول الغربية، لغرض كسب المزيد من الدعاية الإعلامية لا غير، وأما عن عودة الإيرانيين لتأكيد فرضية «دعشنة الهجوم»، فقد لا تخلو من محاولات لتسييس الهجوم، على اعتبار أن إيران ضحية من ضحايا الإرهاب، للتشويش على الصورة النمطية عن إيران في كثير من الأدبيات العالمية، بأنها دولة «راعية للإرهاب».
 
أما بعض المراقبين الذين قالوا إن الهجوم من تدبير النظام، فهم يسوقون فكرة غير منطقية، وهي أن النظام الإيراني تعمد إهانة نفسه في المكان الأكثر تحصيناً من الناحية الأمنية، والأكثر رمزية من الناحية العسكرية، في ساحة عرض عسكري، تقع بالقرب من أكبر معسكرات الدروع في إيران، كل ذلك من أجل أن يوجد ذريعة – هو أصلاً في غنىً عنها – لاستهداف خصومه. وعلى قدر ما يبدو هذا التحليل ساذجاً، فإن النظام تلقى ضربة مهينة، لا يمكن أن تكون إلا من خصوم تعمدوا تقديم هذه الإهانة في ذكرى حرب إيران على العراق.
 
الهجوم عمل جريء، ولا بد أنه قام على معلومات استخبارية من داخل الحلقات الأمنية الضيقة في النظام، بالشكل الذي سهّل دخول السلاح والأفراد إلى ساحة العرض. وخلال الأيام الماضية حذّر مسؤولون أمريكيون كبار من أن أي هجوم تتعرض له مصالح بلادهم، على يد أي من المليشيات التي تدعمها طهران في العراق، فإن واشنطن سترد داخل الأراضي الإيرانية.
 
 هل يمكن الربط بين التصريحات والهجوم؟ هل أراد الأمريكيون أن يحذروا طهران من الرد على الهجوم قبل وقوعه؟ هل تدفع واشنطن طهران إلى ارتكاب حماقة، تدفع إيران ثمنها؟
 
هل تخبط الإيرانيين في ما يخص الجهة المنفذة يعد محاولة لتفريق دم جنود طهران بين القبائل، حتى لا يعاب على النظام عدم الرد، رغم توعده بـ»رد ساحق مميت»؟
 
ويأتي هنا سؤال حول وجود ضحايا مدنيين في الهجوم، ووجود أطفال، يمكن أن نتساءل عن طبيعة وجودهم في عرض عسكري قرب معسكر ضخم للقوات البرية الإيرانية؟
 
وأياً ما تكن الإجابات، فإن هجوم السبت يعد إهانة كبيرة لنظام ظل يوهم بأنه محصن ضد الاختراقات، ويعمل على تثبيت دعايته السياسية والعسكرية داخلياً وخارجياً، ومن هنا يمكن فهم حالة التخبط في توزيع التهم، والحدة المبالغ فيها في التهديد، في محاولة لاستعادة الهيبة التي تعرضت لهزة في الأحواز. بالطبع، المنفذون هم من عرب الأحواز، وقد نشرت طهران أسماءهم، وأكثر الظن أنهم دخلوا إيران من شمال العراق، حيث تضعف القبضة الأمنية الإيرانية على الحدود هناك، وربما كان للمتمردين الأكراد دور لوجستي وأمني.
 
والشيء الغريب أن الهجوم استمر، حسب وسائل الإعلام الإيرانية قرابة 15 دقيقة، قبل أن تقتل قوى الأمن المسلحين الذين قتلوا قرابة 30 عنصراً، كثير منهم من عناصر الحرس الثوري الإيراني، ما يدفع للتساؤل حول كمية الأسلحة المستعملة، وربما عدد المهاجمين، وهل قتلوا جميعاً، أم أن إيران تتكتم على بعضهم أحياء.
 
وبغض النظر عن كل ما سبق فإن نظام طهران لا يريد أن يفهم أنه يدفع اليوم فاتورة اضطهاده للأقليات العرقية والدينية من مثل السنة والأكراد والعرب والبلوش وغيرهم، داخل إيران، كما يدفع هذا النظام، وسيظل – حسب المؤشرات- يدفع فاتورة مغامراته في بلدان المنطقة بإشاعة الفوضى والفتن الطائفية، وتدخله في الحروب الأهلية في البلدان العربية التي تتواجد فيها مليشياته.
 
ولعل نيكي هايلي سفيرة واشنطن في الأمم المتحدة قد نصحت النظام في طهران، بعد أن وجهت أصابع الاتهام إلى أمريكا وإسرائيل ودول خليجية و«مرتزقة»، عندما ذكرته بأن عليه بدلاً من كيل التهم أن «ينظر إلى الداخل». ليس كل كلام السيدة هايلي حكيماً ولا موزوناً، ولكنها – هنا- محضت النصح لمطلقي التصريحات النارية في طهران، بأن «النار تحت الرماد».

مقالات الكاتب